أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

305

العقد الفريد

قال : يا غلام ، اكتب له بالدّهناء . قالت : فلما رأيته أمر بأن يكتب له ؛ شخص بي . وهي وطني وداري ؛ فقلت : يا رسول اللّه ؛ إنه لم يسألك السويّة من الأرض إذ سألك ؛ إنما هذه الدهناء مقيّد الجمل ومرعى الغنم ؛ ونساء بني تميم وأبناؤها وراء ذلك . فقال : أمسك يا غلام ، صدقت المسكينة المسلم أخو المسلم ، يسعهما الماء والشجر . ويتعاونان على الفتّان « 1 » . فلما رأى حريث أن قد حيل دون كتابه ، قال كنت أنا وأنت كما قال في المثل : حتفها تحمل ضأن بأظلافها ! فقلت : أما واللّه ما علمت إن كنت لدليلا في الظلماء ، جوادا لدى الرّحل ، عفيفا عن الرفيقة حتى قدمنا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولكن لا تلمني أن أسأل حظي إذ سألت حظّك . قال : وأيّ حظ لك في الدهناء لا أبا لك . قلت مقيد جملي تريده لجمل امرأتك ! فقال : لا جرم إني أشهد رسول اللّه أني لك أخ ما حييت ؛ إذ أثنيت عليّ عنده . فقلت : أمّا إذ بدأتها فلن أضيعها . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : أيلام ابن هذه أن يفصل الخطة ، وينتصر من وراء الحجزة . فبكيت ثم قلت : فقد واللّه ولدته يا رسول اللّه حراما ، فقاتل معك يوم الرّبذة ، ثم ذهب يمتري من خيبر ، فأصابته حمّاها فمات فقال : لو لم تكوني مسكينة لجررناك على وجهك . أيغلب أحيدكم على أن يصاحب صويحبه في الدنيا معروفا ، فإذا حال بينه وبينه من هو أولى به استرجع ثم قال : ربّ آسني لما أمضيت ، وأعنّي على ما أبقيت . فوالذي نفس محمد بيده إنّ أحدكم ليبكي فيستعبر له صويحبه ؛ فيا عباد اللّه لا تعذّبوا إخوانكم ثم كتب لها في قطعة أدم أحمر : لقيلة والنسوة من بنات قيلة يظلمن حقّا ، ولا يكرهن على منكح ، وكل مؤمن مسلم لهن نصير أحسنّ ولا تسئن .

--> ( 1 ) الفتّان : الشياطين .